الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

169

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الضلال . ومن لطيف دقة العبارة القرآنية ، أن الآية أشارت إلى أن الله عز وجل لا يدمر البناء العلوي للمستكبرين فحسب ، بل سيدمره من القواعد لينهار بكله عليهم . وقد يكون تخريب القواعد وإسقاط السقف إشارة إلى أبنيتهم الظاهرية ، من خلال الزلازل والصواعق لتنهار على رؤوسهم ، وقد يكون إشارة إلى قلع جذور تجمعاتهم وأحزابهم بأمر الله عز وجل ، بل لا مانع من شمول الأمرين معا . ومما يلفت النظر أن القرآن ذكر كلمة " السقف " بعد ذكر " من فوقهم " ، ف‍ " السقف " عادة في الطرف الأعلى من البناء ، فما الذي استلزم ذكر " من فوقهم " ؟ ويمكن حمله للتأكيد ، وكذلك لبيان أن السقوط سيتحقق بوجودهم أسفله لهلاكهم ، حيث أن السقوط قد يحدث بوجود أصحاب الدار أو عدم وجودهم . وقدم لنا التأريخ قديمه وحديثه بوضوح صورا شتى للعقاب الإلهي ، فإحكام الطغاة والجبابرة لما يعيشون ويتمتعون في كنفه من حصون وقلاع ، إضافة لخططهم المحبوكة كي يستمر لهم ولنسلهم الحال ، وما قاموا به من تهيئة وإعداد كل مستلزمات بقاء قدرة التسلط ودوام نظام الحكم . . كل ذلك لا يعبر في الحقيقة إلا عن ظواهر خاوية من كل معاني القدرة والاقتدار والدوام ، حيث تحكي لنا قصص التاريخ أن هؤلاء يأتيهم العذاب الإلهي وهم بذروة ما يتمتعون به ، وإذا بالقلاع والحصون تتهاوى على رؤوسهم فيفنون ولا تبقى لهم باقية . وعذابهم في الحياة الدنيا لا يعني تمام الجزاء ، بل تكملته ستكون يوم الجزاء الأكبر ثم يوم القيامة يخزيهم . فيسألهم الله تعالى : ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم أي تجادلون وتعادون فيهم ( 1 ) ، فلا يتمكنون من الإجابة ، ولكن : قال الذين أوتوا

--> 1 - تشاقون : من مادة الشقاق ، بمعنى المخالفة والعداء ، وأصلها من ( شق ، أي قطعه نصفين ) .